
المرة الأولى التي أدخل فيها أحد تلك المحلات زاهية الألوان شديدة الأناقة، كنت أشعر بالحرج وكأن الجميع يرقب خطواتي وملابسي، رغم ترددي مضيت إلى إحدى الطاولات البعيدة وجلست هناك كمن وجد ضالته اخيرا"، بدا المقعد وكأنه صديق قديم في غرفة تعج بالغرباء.
عندما إقترب مني النادل لم أكن قد قررت ما أطلبه لكنني أبتسمت بأدب وطلبت فنجانا من القهوة وأستغربت من نفسي فأنا لم أكن أحب القهوة بل أنني لم أشربها في حياتي سوى مرة واحدة قررت بعدها أنها ليست المشروب المفضل لدي، بدأت بشيء من التردد أتفحص قائمة الطعام ثم شردت عيناي إلى الوردة الشاحبة وسط المائدة، بدت متعبة تحن إلى النوم لابد أنهم لم يستبدلوها منذ الأمس، داعبت أوراقها بحنان فأنا أحب الورود مثلما أحب الحيوانات الأليفة.....
حين قدم النادل أستعدت يدي بسرعة فأصطدمت بالملاحة فانسكب قليل منها على المفرش، عدلت وضعها بسرعة وأنا أتمتم بكلمة شكر مضطربة للنادل الذي ابتسم لي وابتعد، لابد انه قابل مثل حالتي الكثيرين وربما ضحك مني سرا واكتشف أنني لم ادخل لمثل هذا المكان من قبل...
لم أشعر بمذاق القهوة، كانت شديدة المرارة في فمي لكنني حاولت ارتشافها بالطريقة نفسها التي شاهدت الكثيرين يشربونها بها شيئا فشيئا استعدت هدوئي واطمئناني، ربما أن القهوة بدأت تألفني وتريحني كما تفعل مع محبيها، ترى كم ثمنها ؟؟ عدت إلى القائمة اقرأها بعناية ورغم أنني ادخرت مبلغا كبيرا لهذا العشاء إلا أنني لم أكن لأغامر بطلب ما يفوق ما معي من نقود فاقف كالبلهاء أمام النادل.
اخترت كل شيء بعناية تماما حتى يبقى في جيبي ما آخذ به سيارة أجرة إلى البيت مفلسة تماما، كان المكان قد امتلأ وهذا لم اعيه إلا اللحظة عندما شاهدت البعض يغادر لأنه لم يجد مكانا وشعرت بالرضى عن قدومي مبكرة، حين بدأت اتأمل الاطباق قلت في نفسي : إن هذا كثير لكن شهيتي مفتوحة حتى لأكثر من هذا.
بدأت آكل المقبلات التي أحبها بعفوية ناسية ما حولي، في مثل هذه الاماكن البعض يأكل الزيتون بالشوكة لكني أفضله هكذا، بدأت آكل باصابعي مبتسمة من نفسي، لو أنني حاولت بالشوكة لقفزت إحدى حباته في وجه احدى السيدات على المائدة المقابلة ولربما .......
أخذني من إستغراقي صوت دافئ قوي : هل بإمكاني الجلوس ؟؟
نظرت الى الشاب الذي يقف أمامي بحيرة، فتابع قائلا : المكان مزدحم ولايوجد مكان آخر...هل استطيع تناول عشائي هنا.... واشار الى المقعد الفارغ "اذا لم يكن لديك مانع" أضاف بتهذيب.
بدا صوته يائسا وحجته مقنعة والأهم من ذلك كنت سعيدة ومزاجي هكذا يجعلني أكثر طيبة وسعة أفق مع كل الناس بلا إستثناء...
قلت : تفضل
: شكرا لك.
جلس فعدت لأطباقي وأنا أفكر بما سيكون رد فعل أختي الكبرى وصديقاتي عندما يعرفن أنني تناولت عشائي مع شاب غريب في مطعم، الأولى ستنفجر غاضبة والأخريات سيبدأن في الغمز والضحك .....ماذا لو ان أحد معارفي دخل صدفة الى هنا ورآني مع هذا الشخص ؟ كثيرة هي المظاهر الخادعة لكنني لن اسمح لهذه الافكار ان تعكر عشائي الجميل هذا.
: إسمي خالد
قلت مستغربة من توجيهة الحديث إليّ : تشرفنا
بدا منتظرا فادركت انه ربما توقع ان اعرفه على نفسي أنا ايضا.
قال : آسف أنني تطفلت هكذا
اجبت : لا بأس المكان مزدحم وانا اشغل مائدة تتسع لشخصين.
عدت بهدوء لاطباق الحمص والمقبلات وتأمل الناس من حولي، انفعالات كثيرة تعلوه الوجوه، شفاه تتحرك بكلمات لا أعيها وعيون تتسع وتضيق تبعا للوجه المقابل، إلتقت عيناي بعيني رفيقي مصادفة عدة مرات وفي كل مرة كنت أدع نظري يسقط بسرعة أمامي مصممة على الا أرفعه إلا في اتجاه بعيد عنه، حمدت الله بعدها على أن عشاءة وصل أيضا وبدأ يتناوله مما جعلني أشعر بالراحة، انهيت كل ما في اطباقي تقريبا ولم أكن أدرك ذلك أما رفيقي فقد تناول طعامه بسرعة وهكذا استطاع النادل تنظيف المائدة دفعة واحدة
قال الشاب الجالس قبالتي : أتودين قهوة أم مشروبا باردا ؟
قلت : شكرا ..طلبت مقدما.
حضر النادل بعد قليل بالحلوى التي طلبت فطلب مثلها.
: هل تتناولين الطعام هنا دوما ... انا لم ارك من قبل..
: لا هذه هي المرة الاولى
: اعجبك المكان ؟
: جدا
استأذنني بالتدخين ثم قال بصورة عرضية : اذا ستكررين المجئ الى هنا ؟
قلت : بالطبع (وعنيت لا)
ابتسم بمرح.. ربما شعر أخيرا بانني بدأت أتحدث معه مما أشعره بإرتياح، كان مرتبكا مثلي من مجالسة فتاة غريبة ترفض التحدث معه إلا باقتضاب.
أخيرا أنهيت عشائي ومشروبي الأخير وأعترف بأنني إستمتعت بكل دقيقة فيه ولم أتعجل أبدا بل ربما تلكأت لاستمتع بالجلوس في هذا المكان أطول وقت ممكن فهذا المبلغ والذي لم آسف أبدا وأنا أضعه للنادل في الطبق مع الفاتورة، هذا المبلغ لن يجتمع لي مرة اخرى بسهولة لانفقه دفعة واحدة وبرعونة كهذه التي اشعر بها الآن.
أراد استبقائي فقال : لم اعرف مع من تعشيت.
قلت بابتسامة مرحة : نور
اومأت له وانصرفت دون ان يلاحظ ان هذا الاسم لم يكن في حقيقة الأمر سوى إسم هذا المكان الرائع.
خمس سنوات مرت قبل أن آتي هذا المطعم وأجلس إلى المائدة نفسها كما أذكر لكن الوردة لم تكن ذابله وكنت أتناول عشائي برفقة زوجي الذي التقت عيناي بعينية عدة مرات وفي كل مرة كنت ابتسم له متسائلة : ماذا لو علم انني تناولت عشائي هنا منذ عدة سنوات مع شاب لا اذكر اسمه الآن أو ملامحة ...أتراه سيسامحني ؟؟
عندما إقترب مني النادل لم أكن قد قررت ما أطلبه لكنني أبتسمت بأدب وطلبت فنجانا من القهوة وأستغربت من نفسي فأنا لم أكن أحب القهوة بل أنني لم أشربها في حياتي سوى مرة واحدة قررت بعدها أنها ليست المشروب المفضل لدي، بدأت بشيء من التردد أتفحص قائمة الطعام ثم شردت عيناي إلى الوردة الشاحبة وسط المائدة، بدت متعبة تحن إلى النوم لابد أنهم لم يستبدلوها منذ الأمس، داعبت أوراقها بحنان فأنا أحب الورود مثلما أحب الحيوانات الأليفة.....
حين قدم النادل أستعدت يدي بسرعة فأصطدمت بالملاحة فانسكب قليل منها على المفرش، عدلت وضعها بسرعة وأنا أتمتم بكلمة شكر مضطربة للنادل الذي ابتسم لي وابتعد، لابد انه قابل مثل حالتي الكثيرين وربما ضحك مني سرا واكتشف أنني لم ادخل لمثل هذا المكان من قبل...
لم أشعر بمذاق القهوة، كانت شديدة المرارة في فمي لكنني حاولت ارتشافها بالطريقة نفسها التي شاهدت الكثيرين يشربونها بها شيئا فشيئا استعدت هدوئي واطمئناني، ربما أن القهوة بدأت تألفني وتريحني كما تفعل مع محبيها، ترى كم ثمنها ؟؟ عدت إلى القائمة اقرأها بعناية ورغم أنني ادخرت مبلغا كبيرا لهذا العشاء إلا أنني لم أكن لأغامر بطلب ما يفوق ما معي من نقود فاقف كالبلهاء أمام النادل.
اخترت كل شيء بعناية تماما حتى يبقى في جيبي ما آخذ به سيارة أجرة إلى البيت مفلسة تماما، كان المكان قد امتلأ وهذا لم اعيه إلا اللحظة عندما شاهدت البعض يغادر لأنه لم يجد مكانا وشعرت بالرضى عن قدومي مبكرة، حين بدأت اتأمل الاطباق قلت في نفسي : إن هذا كثير لكن شهيتي مفتوحة حتى لأكثر من هذا.
بدأت آكل المقبلات التي أحبها بعفوية ناسية ما حولي، في مثل هذه الاماكن البعض يأكل الزيتون بالشوكة لكني أفضله هكذا، بدأت آكل باصابعي مبتسمة من نفسي، لو أنني حاولت بالشوكة لقفزت إحدى حباته في وجه احدى السيدات على المائدة المقابلة ولربما .......
أخذني من إستغراقي صوت دافئ قوي : هل بإمكاني الجلوس ؟؟
نظرت الى الشاب الذي يقف أمامي بحيرة، فتابع قائلا : المكان مزدحم ولايوجد مكان آخر...هل استطيع تناول عشائي هنا.... واشار الى المقعد الفارغ "اذا لم يكن لديك مانع" أضاف بتهذيب.
بدا صوته يائسا وحجته مقنعة والأهم من ذلك كنت سعيدة ومزاجي هكذا يجعلني أكثر طيبة وسعة أفق مع كل الناس بلا إستثناء...
قلت : تفضل
: شكرا لك.
جلس فعدت لأطباقي وأنا أفكر بما سيكون رد فعل أختي الكبرى وصديقاتي عندما يعرفن أنني تناولت عشائي مع شاب غريب في مطعم، الأولى ستنفجر غاضبة والأخريات سيبدأن في الغمز والضحك .....ماذا لو ان أحد معارفي دخل صدفة الى هنا ورآني مع هذا الشخص ؟ كثيرة هي المظاهر الخادعة لكنني لن اسمح لهذه الافكار ان تعكر عشائي الجميل هذا.
: إسمي خالد
قلت مستغربة من توجيهة الحديث إليّ : تشرفنا
بدا منتظرا فادركت انه ربما توقع ان اعرفه على نفسي أنا ايضا.
قال : آسف أنني تطفلت هكذا
اجبت : لا بأس المكان مزدحم وانا اشغل مائدة تتسع لشخصين.
عدت بهدوء لاطباق الحمص والمقبلات وتأمل الناس من حولي، انفعالات كثيرة تعلوه الوجوه، شفاه تتحرك بكلمات لا أعيها وعيون تتسع وتضيق تبعا للوجه المقابل، إلتقت عيناي بعيني رفيقي مصادفة عدة مرات وفي كل مرة كنت أدع نظري يسقط بسرعة أمامي مصممة على الا أرفعه إلا في اتجاه بعيد عنه، حمدت الله بعدها على أن عشاءة وصل أيضا وبدأ يتناوله مما جعلني أشعر بالراحة، انهيت كل ما في اطباقي تقريبا ولم أكن أدرك ذلك أما رفيقي فقد تناول طعامه بسرعة وهكذا استطاع النادل تنظيف المائدة دفعة واحدة
قال الشاب الجالس قبالتي : أتودين قهوة أم مشروبا باردا ؟
قلت : شكرا ..طلبت مقدما.
حضر النادل بعد قليل بالحلوى التي طلبت فطلب مثلها.
: هل تتناولين الطعام هنا دوما ... انا لم ارك من قبل..
: لا هذه هي المرة الاولى
: اعجبك المكان ؟
: جدا
استأذنني بالتدخين ثم قال بصورة عرضية : اذا ستكررين المجئ الى هنا ؟
قلت : بالطبع (وعنيت لا)
ابتسم بمرح.. ربما شعر أخيرا بانني بدأت أتحدث معه مما أشعره بإرتياح، كان مرتبكا مثلي من مجالسة فتاة غريبة ترفض التحدث معه إلا باقتضاب.
أخيرا أنهيت عشائي ومشروبي الأخير وأعترف بأنني إستمتعت بكل دقيقة فيه ولم أتعجل أبدا بل ربما تلكأت لاستمتع بالجلوس في هذا المكان أطول وقت ممكن فهذا المبلغ والذي لم آسف أبدا وأنا أضعه للنادل في الطبق مع الفاتورة، هذا المبلغ لن يجتمع لي مرة اخرى بسهولة لانفقه دفعة واحدة وبرعونة كهذه التي اشعر بها الآن.
أراد استبقائي فقال : لم اعرف مع من تعشيت.
قلت بابتسامة مرحة : نور
اومأت له وانصرفت دون ان يلاحظ ان هذا الاسم لم يكن في حقيقة الأمر سوى إسم هذا المكان الرائع.
خمس سنوات مرت قبل أن آتي هذا المطعم وأجلس إلى المائدة نفسها كما أذكر لكن الوردة لم تكن ذابله وكنت أتناول عشائي برفقة زوجي الذي التقت عيناي بعينية عدة مرات وفي كل مرة كنت ابتسم له متسائلة : ماذا لو علم انني تناولت عشائي هنا منذ عدة سنوات مع شاب لا اذكر اسمه الآن أو ملامحة ...أتراه سيسامحني ؟؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق