الثلاثاء، 10 يونيو 2008

الخيانة ......


أجلس إلى المائدة أرقب الطعام يبرد، وعقارب الساعة تتحرك في بطء قاتل، أعيد ترتيب الأطباق، كل شيء كما يحبه تماماً، وهذا ما جعلني أشعر بالذنب، أتراه سيشكرني على هذا العشاء ؟ ليته لا يفعل، لكن لِمَ يشكرني الآن وهو ما عاد ينظر إليّ كالسابق، كنت زوجته الحبيبة أما الآن فأنا امرأته فقط مثلما هو زوجي.
دوران المفتاح في الباب أجفلني، ارتعدت، هل أنهض لاستقباله ؟ أم أبقى مكاني، يداي ترتجفان وقلبي يخفق بقوة، المفتاح في الباب يخيفني، يمزقني، أحاول جاهدة تجاهل الصوت، إنكار عودته، لكنه دخل وأغلق الباب بهدوء ليفصلنا عن العالم.
لا أدري حقا كيف بقيت جالسة، ملتصقة بالمقعد، أجهل ما إذا كنت حاولت النهوض أو أنني لم أحاول أيما شيء على الإطلاق. فقط أجلس بسكون كأية امرأة تنتظر زوجها، تعد له العشاء وتبتسم في وجهه، أو ربما تفتعل مشكلة من تلقاء نفسها، سيدخل هو ليسأل عن العشاء، أو ليغير ملابسه ويحاول إعادة الأحاديث الرتيبة ذاتها أو حتى الشجار.
- مساء الخير
صوته بدا عادياً لكن لماذا لا يكون كذلك ؟ لم يهتم أبدا بتحذيري له من مغبة أعماله، فلماذا يهتم الآن، هذه الليلة بالذات.
جلس إلى المائدة، أمسك رغيفاً، ثناه وقسمه نصفين، أخذ قطعة صغيرة وقوسها بين أصابعه ثم هوى بها على أحد الأطباق، وسرعان ما عادت اليد باتجاه فمه، تلك اليد التي احتضنتني يوما، وباعت التراب في يوم آخر، يد أعرفها وأنكسر عندها ألما.
- ألن تأكلي؟
قلت وأنا أضع جانبا الرغيف الذي ناولني إياه.
- برد الشاي، سأذهب لتسخينه.
- لا داعي لقد شربت منذ قليل.
فتحت فمي، كدت أسأله أين ؟ لكني أطبقت شفتيّ، لا، ليس الليلة، لن أثير نقاشاً، لن أكدره أثناء تناوله العشاء، لا أريد أن يكذب، يتذمر، ثم يترك عشاءه، حقاً سأكون مجنونة لو فعلت ذلك.
بدأت آكل بصورة آلية تحت نظراته، لا طعم لشيء، اللقيمات تدخل فمي، تطحن حتى الذوبان، ثم أجد صعوبة في ابتلاعها، أشعر بالطعام في معدتي الجافة، حريقي الداخلي، لكنني لن أتوقف، لن أدعه يتذمر من شيء، سوف أشاركه طعامه، كما هو خليق بكل امرأة.. أن تشارك زوجها عشاءه.
- هل ذهبت لزيارة أهلك ؟
- لا.
حسنا فعلتِ، فالشوارع ليست آمنه هذه الأيام، ورغم ذلك فتلك المرأة، زوجه أخيك قابلتني في الشارع بنت الـ ....شتمتني أمام الناس وكأنني أنا من اعتقل زوجها.
كان يود جرّي للحديث، للجدل والصراخ، بدأت أؤمن أن كثيراً من الأزواج يستمتعون بالشجار، للتنفيس عن الغضب ربما أو لتعويض ما لاقوه على أيدي الآخرين، لكنه لن ينجح هذه المرة، لن أرضيه في ذلك، ملامحه بدت متشككة غير أنه لم يقل شيئا، بل تابع التهام طعامه بصمت.
صوت أحمق همس لي من بعيد : أتراه يحبني ؟، مجنونة أنا حقا، الحب والآن.. نهضت فجأة، أمسكت صينية الشاي، وابتعدت.
كان المطبخ معتماً لكنني لم أبحث عن الضوء، بل اتجهت إلى الداخل، وضعت الأكواب، بهدوء . أقف بعيداً عن مجال رؤيته، أغمض عينيّ، أقف ساكنة كالتمثال.
- خديجة، كوب ماء .
أتاني صوته ليجفلني أو ليتهمني، أخذت الماء إليه فشرب الكوب دفعة واحدة ونهض متوجها إلى غرفة النوم، كنت أستطيع رؤيته وهو يخلع ملابسه فانشغلت في رفع الطعام .
عدة مرات ذهبت إلى المطبخ وبقي الفتات، كان يزعجني ما يتركه على المائدة من فتات بإهماله، منذ بداية زواجنا وأنا أتذمر من ذلك، لكنني لست أبالي الآن حتى لو نثر الأطباق جميعها في أرض الغرفة. - ألن تنامي ؟
صفعني السؤال بقوة، لا .. لن أمضي بقسوتي حتى النهاية، أنا المرأة البائسة حتى النخاع، لن أستطيع الاستمرار، هل يجب..... لا
قلت بعجل :
- سوف أغسل الصحون ثم آتي.
بدا أنه لم يأبه لجوابي وهذا أراحني، لا.. بل جعلني أشعر وكأنني خذلته، ربما كان يجب أن أذهب إليه، لكنني توجهت إلى المطبخ، فتحت الصنبور وبدأت غسل أكواب الشاي النظيفة، كلما انتهيت من واحد رفعته لأنظر فيه ثم أعاود غسله من جديد.
مر الوقت بطيئا، مخيفا. جسمي يرتجف، أقف كمن ربط إلى شجرة ليشنق، كنت أخشى إن تحركت قليلا أن يبتعد الأمان فتزل قدمي.
هل الموت مخيف ؟ لا أدري و لا أدري أيضا إذا ما كان وجهي مبتلا من الدمع أم العرق، وربما من ماء الصنبور. ما الموت، تلك الكلمة التي تفاجئنا فنسقط معها في هاوية سحيقة، أجفلتني وجعلتني أترك كل شيء وأتوجه إليه، الوقت يمر، يجب أن أسرع قبل فوات الأوان .
كانت الغرفة مظلمة لكنني تبينت ما فيها، نور الصالة أعطاها نوعا من الألفة والشحوب، ارتجفت ولم يكن خوفا، بدا مختلفا وهو نائم، صدره العاري يتنفس بانتظام، الغطاء الممتد فوقه بفوضى، ملامحه، إنه نائم، نائم فحسب (أمن فنام)، صوت أحمق صرخ في داخلي فنكصت على عقبي إلى الباب الخارجي، لا أدري إذا كنت تعجلت ذلك، لكنني بهدوء شديد أخافني، أدرت المفتاح للمرة الثانية في الباب لهذا المساء لكن بصورة عكسية.
كم وددت أن أقفله ثانية وأذهب للنوم بجوار زوجي حتى الصباح، لكنني كنت أعرف أنني لن أفعل، وأن يدي سوف تخذلاني قبل أن أفعل ذلك، وكنت أعرف أيضا أنني ملعونة من قبل كل امرأة لم تدرك حقيقة هذا الجحيم الذي نحياه، ملعونة بعرف كل زوجة تعيش بعيدا عن رجلها الذي تحب، من كل امرأة في الجهات الأربع لم تضطر مثلي أن تقف أمام بابها وتختار أن تفتح الباب وتنتظر.
بدأت ارتجف كسعفة، أسناني تصطك، انتفضت أكتافي مرتين أو ثلاثاً، البرد يكسوني ودموعي انهمرت بلا هوادة، خشيت أن أنهار أو أتراجع، تهاويت على مقعد قرب الباب، أنتظر ...
يا رب اجعله لا يستيقظ، اجعلني احتمل ذلك وساعدنا نحن الاثنين، سمعت أخيرا الخطوات تقترب، صوتها الخافت يسعى إلى الباب المفتوح، قاومت كي أبقى في مكاني، كي لا أصرخ، انفتح الباب و أجفلت....
حرك أحدهم يده متسائلاً، فأشرت إلى الغرفة المظلمة، تقدموا كانوا ثلاثة مقنّعين بلا ملامح، ترى أيوجد بينهم من يشبه زوجي ؟
استغرق وصولهم إلى الغرفة ثواني أو دهرا، أغلقت عيني وسددت أذني بقسوة، لكن ما أن وصلوا حتى أنزلت يدي بسرعة، فتحت عيني عن آخرهما، حملتني قدماي إلى حيث زوجي وقبل أن أصل، كان قد بدأ جحيم صامت لثوان نثر فضاء اللون الأحمر على جنبات الحائط وثنايا الفراش ثم انغلق.
انسحب الجميع، لم أسمع إذا ما قالوا شيئا، فقط الصمت خيم بجنون فبدأت أهذي، أسرعت إلى زوجي فوق سريره، يا إلهي لا أستطيع الصراخ لكي يسمعني العالم أجمع أو حتى يصل صوتي إلى السماء .
احتضنت رأسه بين يدي، قبلت جبهته، خنقتني رائحة السائل الساخن، أغرقتني، تحسست صدره العاري، أكان مستعدا لاستقبال النهاية، هل استيقظ، تألم، عيناه مفتوحتان، هل رآني بين قاتليه ؟ أنا المرأة التي ستلعنها كل الزوجات إلى يوم القيامة و لأني امرأة سأقبل اللعنة وسأموت بها أيضا.

ليست هناك تعليقات: