الخميس، 26 يونيو 2008

لـيـل ...


أنفاس لاهثة، عَرقٌ يرسم تفاصيل الجسد، واشتعال يحرق هذا الليل الكئيب، تحسّس وجهها وكأنه يراه للمرة الأولى ثم نهض مسرعاً.

هل عليه أن يغادر ؟ مرّت الدقائق الأولى للقائهما في مخيلتها وهي تتأمّله يرتدي ملابسه، يحاول تحاشي النظر إليها. قالت بصوت رائق أدهشه.

- هل ستعود ثانية ؟

- لست أدري !! سيعرفون حتماً.

- تباً لهم، ليفعلوا ما شاؤوا ، لست أخافهم .

جلست في السرير، أرادت أن تستبقيه، لكن خوفها عليه جعلها تتراجع.

- اليوم أخذوا أبي لاستجوابه.

توقف قليلا، التقت نظراتهما، فامتزج ما بينهما بحران من حنين، لكن الماء انفصل عن الماء، وعادت تلك الأودية السحيقة لتطل بجرحها العميق، فاستدار لإكمال ارتداء ملابسه.

- لماذا لم تخبريني ؟؟

- هم يأتون دائما بسبب أو بدون سبب ما عدت أهتم .

- سيؤذونكم إن عرفوا ..

- ................

التفت إليها، شعرها المبلل، جسدها الشهي وهذا الليل البارد، لماذا عليه أن يغادر ؟ لفَّ كوفيته على عنقه. تقدم نحو السرير حيث مكانه الدافئ، وحيث التجويف الصغير في الوسادة ينبئ عن وجوده هناك...

- مريم ماذا لو ....

عرفت ما يودّ قوله، ابتسمت بألم ظاهر، أخذت يده وقبّلتها .

(( مريم .. أنت نائمة يا ابنتي ؟! .. مريم .. ))

أتاها صوت الأب العجوز متسائلاً أو مرتاباً، ارتدت ثوبها كيفما اتفق وفتحت الباب، فتحرك باسل الى الزاوية الأخرى من الباب حابساً أنفاسه .

- تريد شيئا يا أبي ؟

- الهدوء أقلقني يا ابنتي وهذا الليل .

رافقت الأب العجوز مغلقة الباب خلفهما، الدنيا لا تزال مغلفة بالصمت والعتمة، باسل يقف بصمت متأملاً السرير الفارغ . أبوه قال يوماً : "سنكون كما نريد" . مريم قالت : " سنلتقي ذات يوم قرب مائنا العذب، نسقي أشجارنا كلها وننتصر"، لكنه يقف عاجزاً قرب سرير فارغ يستعدّ لهواء الليل البارد والخوف.

فُتِحَ الباب ثانية، ظهر رأس مريم بريئاً ومشاكساً، وابتسامتها أكثر إشراقاً من قبل، وكأنها شعرت بأفكاره فأرادت أن تنهرها .

- مازلت هنا ؟ بماذا تفكر ؟

أغلقت الباب، وأحاطت عنقه بيديها وتابعت الحديث :

- أبي أعمى لكنه يرانا.

- أقال شيئاً ؟

- لا لكنه يعرف، قال مريم احترسي يا ابنتي .

- أبوك كان دائماً يرى كل شيء .

ابتسمت له، قبّلت أنفه بخفة ثم ابتعدت، ألقت بجسدها على السرير وأخذت تتأمل شيئاً ما في سقف الغرفة.

- قبل زواجنا قررت أن أطلعك يوماً ما على سرّ ..

بقي واقفاً قرب الباب يتأمّل ملامحها الهادئة.

- سوف أخبرك بأنني أحببتك منذ البدء، في أول لقاء لنا عرفت أنك ستكون لي وحدي .

- لكنني ... (رفعت رأسها إليه، قالت بنظرة واثقة)

- أنت لي وحدي .

(( آه يا مريم، يا وطني الجميل، أيتها الشقية التي أوجعتني، أحبتني وقتلتني، مريم يا أمي وبهجتي، يا ..... ))

- بماذا تفكر ؟!

- يجب أن أغادر حالاً .

- باسل .

بقي واقفاً وظهره إليها، رأت عضلات فكه تتقلّص بشكل حانق ، فتابعت:

- في الغد سأذهب إليهم وسيعرفون .

استدار إليها، ملامحها تشبه ملامح طفلة مشاكسة، وصبية أحبها بجنون .

- يقول أبي إنّهم سيهدمون البيت إن عرفوا أنك تزورنا، لكنني ما عدت أهتم، لن أدعهم يحرسون رحمي، طفلي سيكون قراري أنا..

- ماذا ؟ هل....

- نعم (قالت بخجل أدهشه وتابعت)

- أعرف أنك فرح جداً، الزمان لن يبقى رمادياً إلى الأبد، وأنت ستعود يوماً وستجدني هنا مع طفلنا القادم .

- مريم....

نهضت، لكنها توقفت حين سمعت أباها الشيخ قرب الباب المغلق يهمس : "اتركيه يذهب يا ابنتي"

مضت الخطوات الثقيلة، فنظرت إليه :

- أبي أعمى، لكنه يبصرنا .

- سأعود يا مريم، تأكدي سأعود.

لمس شفتيها كالطيف، وابتعد، راقبته يخفي ملامح الوجه الحبيب في كوفيته، ويفتح الباب بهدوء، لم ينظر خلفه، كرهت الوداع، في المرة الأولى قالت له، لا تنظر خلفك فأنا دائما أمامك، هذه المرة أرادته أن يبقى، أرادت أن يمتد الليل إلى الأبد، لا، أرادت أن يأتي صبح يخرجان فيه، لا تعرف لماذا بقيت أمام الباب وريحه الباردة ؟! في مواجهة الفجر تحاول استرجاع لحظات مضت، وترافقه وهو يبتعد، تعرف كل خطواته، رسمت طريقه في مخيلتها، حمته بجسدها، أغمضت عينيها لترى ملامحه بوضوح أكبر، فأجفلها صوت طلقات غاضبة، هدير السيارات العسكرية، باسل يمضي وحيداً في هذه العتمة، الوطن يخلع عباءة الليل، استدارت ناحية السرير الفارغ، أخذت وشاحاً مطرزاً، ألقته على كتفيها، جلست على السرير، ضمت جسدها إليها ... وبكت .

هناك تعليقان (2):

فاطمه.ن. يقول...

تكمن قوة السرد هنا في الامساك بالفكرة حتى النهاية،وعدم ذوبانها في التفاصيل الأخاذة للعمل .
من الصعب كتابة ادب ملتزم في اوقاتنا هذه يا عايده.الاصعب منه ان يكتب بكل هذا الجبروت البديع والتمكن الواثق من اللغة ومسارب القلوب.
تحية لقلمك عايده النوباني.اعجبتني القصه.تماما.

عائدة النوباني يقول...

العزيزة فاطمة

حضورك دائما يسعدني،الادب إن لم ينقل الحياة بكل ما فيها سيصبح قاصرا خصوصا الادب (الملتزم) كما اسميته.. الشعارات تقتل الأدب ومن ثم ما يقوله..

مودتي واعتزازي